بروتيناتُ (تاو) ومرضُ الزهايمر: مرضيات التاو والعلاج المناعي أمل جديد يطرحه العلماء
مرض الزهايمر يبعث بالأسوأ
"مرحبًا يا جدتي، لقد اشتقتُ إليك حقًا. " قالها الصبيُّ حسين مُخاطبًا جدتَه التي قد بلغتْ الرابعةَ والسبعين من العمر، ردَّت الجدةُ: "مرحبًا يا حمد...أعني حس... اااه... أممم"، اردف الصبيُّ: "إنه أنا حسينُ يا جدّتي".
أليس مما يبعثُ على الضيقِ أن الأقربينَ مِمَنْ نُحِبُهم يفقدونَ أعزَّ الأشياء قيمةً في حياتِهم؟؟ بدون قصدٍ منهم، يفقدونَ أكثرَ المكونات حيويةً في الكينونةِ البشريةِ ألا وهي الذاكرةُ. الذاكرةُ في الحقيقةِ هي ما تجلعنا ما نحنُ عليه فعليًا بشكلٍ يُميزنا عن أقراننا مِمَنْ حولنا، كما أنها تمثلُ القدرةَ المعقَّدة في تذكُّر العديدِ من التفاصيلِ التي نحنُ بصددِ الحاجةِ إليها في أنشطتنا اليوميةِ المُعتَادة، فبدون أى أدني شكٍ، تعتبرُ هي قاعدة البياناتِ البيولوجية لتخزينِ انجازاتنا، اسماء أصدقائنا، أرقام الهواتف، أماكن العثورِ على حاجاتنا اليوميَّة وغيرها الكثير.
لا يُمكِنُك أن تتصورَ مدي المُعاوقةِ التي يتعرضُ لها مريضٌ بذاكرتهِ التي تؤولُ إلى الانهيارِ والتداعي، ولم يتبقَّ منها سوى شراذِم، الزهايمر هو ذلك الاسمُ الذي يُطلَق على المرضِ المُتسبِّب في تلاشي المُّخِ وتحلُّل الذاكرةِ، والذي اُكُتشِفَ من قِبَل العالم ألويس ألزهيمر، وهو من الأسبابِ العديدةِ لنقصِ كفاءة الإدراك (cognitive inconvenience(، والذي يؤدِّي إلى النِسيانِ (Dementia).
مرضُ الزهايمر عادةً ما يكونُ نتيجةَ طفرةٍ في جيناتٍ معينةٍ مثل جينات بروتينات الأميلويد Amyloid Precursor (APP) والمحمولة على كرومسوم ٢١، أو البريسلين ١ (presilin 1) المحمول على كرومسوم ١٤، أو البريسلين ٢ المحمول على كرومسوم ١، هذه الطفرات في الحمضِ النوويّ المنقوص الأكسجين(DNA) بالتبعية تؤدّي -بواسطةِ عمليةِ الترجمةِ (translation) - إلى تكوينِ بروتيناتٍ غير وظيفيةٍ، الأمرُ الذي يؤدّي إلى ترسُّبها بشكلٍ مرضيّ في قشرةِ المُخِّ خارجَ الخلايا العصبيَّة فيما يسمى ببروتيناتِ الأميلويد (amyloid protein) ، أو أن تترسَّبَ مُتجمِّعةً داخلَ الأعصابِ فيما يُسمَّى بالتشبُّكاتِ الليفيّةِ العصبيَّةِ (Neurofibrillary Tangles) والتي تتكونُ مِنْ وحداتٍ أصغرِ تُسمَّى بروتينات تاو (Tau Proteins).
ربما الكثيرونَ مِنْكم مِمَنْ يعملونَ في مجالاتِ الأبحاثِ الطبِّيةِ على الأمراضِ العصبيِّةِ قد تعَاملَ قبلًا مع بروتينات الأميلويد، لكن قد تبدو التاو غيرَ مألوفةٍ، الأمرُ المثيرُ للاهتمامِ أنه لأهميتها وقيمتها العلاجيَّةِ المُثْبَتةِ بالتجارب السريرية، فإن بروتينات تاو هي محلُ الاهتمامِ البحثيّ في وقتِنا هذا.
بروتينات التاو: حقائق فسيولوجية ومرضية
التاو هي بروتيناتٌ مرتبطةٌ بالأنيبيباتِ الدقيقةِ (microtubule associated) - وهي إحدى مكونات هيكلِ الخليَّةِ (cytoskeleton) - توجدُ بشكلٍ رئيسيٍّ في الخلايا العصبيَّة، ويمكنُ أن تتواجدَ بنسبٍ قليلةٍ في خلايا الجسمِ الأُخرى، هذه البروتينات والتي اُكتُشِفت عام ١٩٧٥ تلعبُ دورًا محوريًا في استقراريةِ ووظيفةِ أُنيبيباتِ الخلايا العصبيَّةِ، وبالتالي فهي تشتركُ في العديدِ مِْن الميكانيكياتِ الحيويةِ في الخليةِ العصبيَّةِ مثل الرسائل الثانوية الخلوية (cell signaling)، مرونة التشابكات العصبية (synaptic plasticity) - وهي المسئولةُ عن الذاكرةِ وتخزينِ المعلوماتِ - وتنظيمِ الاستقرارِ الجينيّ والهيئةِ الكُليَّةِ لبِنيَةِ الخليةِ.
بروتيناتُ التاو تَمُرُّ بالعديدِ مِنْ تعديلاتِ ما بعد الترجمة post-translational modifications) مثل الفسفرةِ أوإضافة جُزيئاتِ الجلوكوز أو الأسترة أو إضافة الأسيتيل أو غيرها الكثير، هنا تبدأُ الإثارةُ الحقيقيةُ: يوجدُ ثمانونَ مكانًا على جزئ التاو الواحد؛ لأنه ولكونهِ بروتيناً يتكونُ مِنْ سلسلةٍ مِنْ عديدِ الببتيدِ وهي تسلسلٌ مِنْ الأحماضِ الأمينيَّةِ المُرتَّبةِ والمُرتبِطةِ معاً بروابطَ ببتديدية - يمكنُ إضافة الفوسفورِ إليه بواسطة عملية الفسْفرةِ، ولكن في حالِ حدوثِ فسفرةٍ زائدةٍ عن الحدِّ (hyper-phosphorylation) لجزيئاتِ التاو المُرتبطةِ بالأنيبيباتِ، والتي تنتجُ عن زيادةٍ في نشاطِ إنزيم الجليكوجين سينثيز كينيز (Glycogen Synthase Kinase 3-beta) ، وعوامل أخرى، وبالتالي فإنها تفقدُ قُدرتها على التمسُّكِ بتلك الأنيبيباتِ، وتنفصلُ عنها وذلك لتغيُّرِ البنيةِ التركيبيِّةِ الفسيولوجيِّةِ العاديِّةِ للتاو.
تمتلكُ جزيئات التاو الحُرَّة المُنفصِلَةِ قدرةً أعلى على الالتصاقِ ببعضِها والتي بدورِها تتحدُ معاً مُترسِّبةً في صورةِ التَشبُّكاتِ التليُّفيِّةِ العصبيَّةِ (Neurofibrillary Tangles NFT) هذه الترسُّباتِ البروتينيَّةِ مِنْ جُزيئات التاو تؤدِّي إلى نتائجَ سلبيةٍ عديدةٍ على الوظائف الحيويَّةِ للخليةِ العصبيَّةِ ومِنْها:
ضعفُ المِحوَر العصبيّ (axonal impairment)
تغيُّر تركيبِ وبِنيةِ التشابُك العصبي- العصبي
ضعفُ وظائفِ الميتوكوندريا
تحلُّل البروتينات داخل الخليةِ العصبيَّةِ بشكلٍ غيرِ فعالٍ،
وهي ما تُشكِّلُ مُجتمِعةً خلل التاو المرضي (taupathies)
في مرض الزهايمر فإن التشبكات التليفية العصبية NFT تترسَّبُ بشكلٍ أساسي في المنطقةِ بين جسمِ الخليةِ العصبيَّةِ ومحورها (perikaryon)، ومِنْ ثَمَّ لا تلْبَثُ أن تنتشرَ بميكانيكيةٍ أشبه بالبريونات (prion- like distribution) - البريونات هي تراكيبٌ مسببةٌ للأمراضِ تتكونُ من تجمعاتٍ بروتينيَّةٍ بلا حمضٍ نوويّ DNA- لتنتقلَ من خليةٍ عصبيَّةٍ إلى أخرى، والتي مِنْ الممكنِ أن تصِلَ إلى نطاقاتٍ بعيدةٍ في المُّخِ مثل الهيبوكامبس.
صورة. 1: رسمة توضيحية لميكانيكية العمل الفسيولوجية في الخلية العصبية مأخوذة عن الورقة العلمية بالمراجع
العلاج المناعي: أمل جديد لتداعي الذاكرة
ومع ذلك يتجددُ الأملُ، حيث أن العلماء يُجرونَ حالياً عشرات - وإن صحَّ التعبيرُ- مئات قليلةٍ مِنْ التجاربَ البحثيَّةِ لإيجاد أفضل علاجٍ لمرضِ الزهايمر، وقد توصَّلوا إلى استنتاجٍ مثيرٍ للاهتمامِ، العلاجُ المناعيّ الذي يستهدفُ بروتينَ الأميلويد بيتا (amyloid-beta) السالف ذكره يفتقرُ إلى النتائجَ التي تُفيدُ بتحسُّنٍ مذكورٍ في الاستيعابِ والذاكرةِ على البشرِ، بعكسِ استهدافِ بروتينات التاو والتي اظهرت نتائج مبشرةٍ في الأبحاث التجريبية الأوليَّةِ، وذلك يرجعُ إلى أن التحليلَ الهيستولوجيّ والدراسات القائمة على التاو المُشِع للبوزيترون- وهي طرقٌ لقياسِ تركيزِ بروتينات التاو- وُجِدَت رابطةٌ وثيقةٌ بين بروتينات التاو وتَدَاعي الذاكرةِ بنسبٍ مُرتفعةٍ عَنْ بروتينِ الأميلويد.
في الحقيقةِ إنه ليس مِنَ السهلِ استهدافُ بروتينات التاو مع كُلِّ تلك التعديلات ما بعد الترجمة ( post-translational modifications) السالف ذِكْرها، والتي بإمكانها أن تُغيِّرَ مِنْ قدرةِ اتِّحادِ الأجسامِ المُضادةِ المُستخدَمة في العلاجِ المناعي مع أماكنِها الخاصَّةِ بها على جزيئات بروتين التاو، أضِفْ إلى ذلك أن قُدرةَ الأجسامِ المُضادةِ في الارتباطِ تعتمدُ بالأساسِ على الصِيغةِ البنائيَّةِ في الأبعادِ الفراغيَّة لجزيئاتِ التاو ( مونمر monomers، ثنائي الوحدة dimer ، عديد الوحدات oligomers، ليفيّ، تشَبُّكات تليُّفيِّةٍ عصبيَّةٍ.
كما أن العلاج المناعي بالأجسامِ المضادةِ يستوقف السُّمِّيةَ الناتجةَ عن التاو: أ) إما بمنع التجمُّعات المُمْرِضَةِ الجزيئاتِ في صورةِ تشبُّكاتٍ ب) منعُ حدوثِ عملياتِ ما بعد الترجمةِ ج) منعُ عمليةِ انتقالِ جُزيئاتِ التاو من خليةٍ عصبيةٍ لأخرى.
باستخدامِ تقنياتِ المناعةِ الذَّاتية- أى القدرة المناعيَّة للجسمِ نفسه على الدفاع ضد الأجسام الغريبة والميكروبات- والتي تتمُ بإعطاء جرعاتٍ من لقاحٍ يحتوي على تحوراتٍ مَرَضِيةِ- غير وظيفيَّة وفي ذاتِ الوقتِ لا تُسببُ أى ضررٍ نسبيًا- مِنْ جزيئاتِ التاو عاليةِ الفسفرة، والتي تمنعُ خلايا العائلِ مِنْ مُهاجمةِ بروتينات التاو الوظيفية العادية- التي لها دورٌ هامٌ في النقلِ العصبي كما أوضحنا سابقاً- لكن بالرغمِ مِنْ ذلك بعضِ العلماء نشروا تقريراً عن إمكانيةِ حدوث إلتهاب بالمُّخ (encephalitis) كعرضٍ جانبيٍ.
إما المناعةُ المُكتسَبةُ والتي قد تبدو لوهلةٍ أكثرَ جاذبيةٍ مع مقارنتها بالتقنياتِ المناعيَّةِ الذاتيةِ إلا أنها يُمكنُ بطريقِ الخطأ أن تتسبَّبَ في مهاجمةِ البروتينات الوظيفيَّةِ، بالنسبة للتقنيتين، فلا مشكلةَ بخصوصِ كيفيةِ تخطِّي الحاجزِ الدمويّ المُخي( blood brain barrier) والذي يكون ضعيفاً بالفعلِ في مَرْضَى الزهايمر.
نتائجُ كِلتي التقنيتين مُبشِّرةٌ وواعدةٌ لأبعد الآفاقِ وِفْقَ رأي العديدِ مِنْ الخبراء والأوراقِ العلميةِ، ولحُسْنِ الحظِّ نتائج الأبحاثِ الأوليَّةِ تضامنت مع معاييرِ الأمنِ والسلامةِ الصحيِّةِ المُطبَّقة عالمياً،واجتازتْ بنجاحٍ المرحلةَ الأولى للتجارب السريرية (phase I clinical trials) وفي طريقها للمرحلةِ الثانيةِ.
لذا هل نحنُ على بعدِ خطواتٍ قليلةٍ من اكتشافِ طريقةٍ ثوريةٍ لعلاجِ مَرَضِ الزهايمرِ؟؟، هل البشر سوف تُكلَّلُ محاولاتهم بالنجاحِ في معركتهم للإبقاء على ذاكرةٍ صحيةٍ سليمةٍ لفترةٍ أطولَ نسبياً؟؟ نأملُ أن تكونَ هذه التجارب لما فيه الأنفع لخيرِ ورُقيّ الجنسِ البشريّ.
المراجع:
المراجع هي عبارة عن أوراق علمية منشورة بلغة العلم الأصلية وهي الأنجليزية وقد تمت كتابة المقال من قبل الكاتب يليها ترجمة المقال إلى العربية وذلك لضمان جودة المعلومات الواردة:
1.Oxford handbook of medical neurology.
2. Congdon EE, Sigurdsson EM. Tau-targeting therapies for Alzheimer disease. Nat Rev Neurol. 2018 Jul;14(7):399-415. doi: 10.1038/s41582-018-0013-z. PMID: 29895964; PMCID: PMC6463489.
3.Šimić G, Babić Leko M, Wray S, Harrington C, Delalle I, Jovanov-Milošević N, Bažadona D, Buée L, de Silva R, Di Giovanni G, Wischik C, Hof PR. Tau Protein Hyperphosphorylation and Aggregation in Alzheimer's Disease and Other Tauopathies, and Possible Neuroprotective Strategies. Biomolecules. 2016 Jan 6;6(1):6. doi: 10.3390/biom6010006. PMID: 26751493; PMCID: PMC4808800.
4. Bakota L, Brandt R. Tau Biology and Tau-Directed Therapies for Alzheimer's Disease. Drugs. 2016 Mar;76(3):301-13. doi: 10.1007/s40265-015-0529-0. PMID: 26729186; PMCID: PMC4757605.
5. Wang C, Holtzman DM. Bidirectional relationship between sleep and Alzheimer's disease: role of amyloid, tau, and other factors. Neuropsychopharmacology. 2020 Jan;45(1):104-120. doi: 10.1038/s41386-019-0478-5. Epub 2019 Aug 13. PMID: 31408876; PMCID: PMC6879647.
6. Sinsky J, Pichlerova K, Hanes J. Tau Protein Interaction Partners and Their Roles in Alzheimer's Disease and Other Tauopathies. Int J Mol Sci. 2021 Aug 26;22(17):9207. doi: 10.3390/ijms22179207. PMID: 34502116; PMCID: PMC8431036. The diagrammatic photo is taken from this reference.
0 Comments