الكلماتُ المُتراصّةُ تستطيع أن تَنطِقُ دون شفاهٍ تفوه بها، وقد يَنأى المرء عن استخدام الكلمات في حالِ الفيضِ الشعوريّ المُتدفِّق من قلبٍ صادقٍ، بغضِّ النظر عن توجه مَشاعره الإيجابي أو السلبي، إلا أنه في حال انطلاقِ الكلمات في رحلتها خارج جوهر الإنسان، فتأثيرُها باقٍ، قد يَخونُ التعبير بعضهم فيسيء استخدام كلماته وتُسيء هي إليه تِباعًا، ولكن تمرُّ المواقف مُرورًا، ويظنُّها البعضُ تَعبرُ بلا قاضٍ!
ولكن ليس من السويّ مُطلقًا أن يُصبح استخدام الألفاظ البذيئة والكلمات النابيَّة أمرًا مُعتادًا وصار الشعبُ يَشربون الإثم كالماء، وقد تطوّرت القضية إلى جعل الكلمات سلاحًا للتعدي على حُريَّات الخَلق، يستخدمه كل من كان مُدرَّبًا على نقص الحياء، ويُصيب به كل من كان مؤمنًا بديانٍ عادلٍ يحتسب على الإنسان خطايا الفكر، ولكن المشكلة لا تنتهي إلى هذا الحد. الأخلاقُ الوضِيعة انحدرت بالبشرِ إلى الدرك الأسفل من اللاإنسانية، "فَاللِّسَانُ نَارٌ عَالَمُ الإِثْمِ" (يع ٣: ٦)، فأصبحت الكلمة أداة لهَتكِ الأعراض ونَزعِ الكرامات (التي خَلقها الله عزيزةً لا يَقدرُ بشرٌ أن يَمسَّها بسوء)، ولأنه منذ القديم يُسيء الإنسان إلى أخيه كَتبَ الأدباء في الأمر كثيرًا، ومن الأمثلة الأدبية الكثيرة لفتني ما لخَّصه رجاء عليش في كتابه عن أثر الكلام المُوجِع "لا تُولَد قبيحًا":
[الناس هم مُنطلَقُ المُشكلةِ تبدأ مِنهمُ وتنتهي إليهم ولو إن الناس كانوا أُناسًا حقيقيّين مُمتلئين بالدفء الإنسانيّ والحنان كما ينبغي أن يكون الناس لتقلَّصت مُشكلة القبيح إلى الصِّفر] (طبعة مؤسسة تبارك، ص ١٥)
لقد كان الرجل موجوعًا من نعت الناس إياه بالقُبحِ، وبالنظر إلى وجه الرجل لم أرَ إلا جمالَ الروح التي خلقها الله حيةً فيه، ولكن لا أعجب حُمق الرجال الذي مرَّروا حياته أفسنتينًا (حديثي هنا ليس عن البشر الذين التحفوا بإنكار الذَّات التَّقَويّ أو الذين تبلَّدت مشاعِرُهم بعواملِ الزمن، الأمر الذي جعل أثر الكلمات فيهم كأثر نسمات الربيع على النخل فارِع الطول).
الأنكى أن الكلمات قد أصبحت تستخدم كسلاحِ قتلٍ، وكأداةٍ تُسلَب بها حيوات الناس عُنوةً، لا داخل الكتب ولا في الخطب السياسية ولا في الإعلام الرجعيّ الذي نتمخض به فحسب، ولكن يُسيء الناس استعمالها يوميًّا في بيئات العمل، وفي مواقف الحياة اليومية، ويظن مغتصب الكرامات أن كلامه هيِّنٌ ليِّنٌ "أَلْيَنُ مِنَ الزَّيْتِ كَلِمَاتُهُ، وَهِيَ سُيُوفٌ مَسْلُولَةٌ" (مز ٥٥: ٢١) يمرُّ من دون رقيب أو حسيب، لكن - في الحقيقة - تدخل الكلمات الصعبة إسفينًا في قلب الإنسان، إسفينًا لا يحمل مشاعر الشفقة الإنسانية، بل استحالت كل المشاعر إلى غريزةٍ لا تنأى بنفسها عن وضاعة الحيوانات، بل وأسوأ. قد تأتي الكلمات من المقربين أو البعيدين، وتخترق شغاف القلب بلا رحمةٍ، وتصيب القلب بلا هوادةٍ، فتتجمد الدماء في شرايين القلب التاجية - هذا ما يحدث فعلًا - ويُصاب المرء مَصابَه، ويكتم أحزانه بداخله، وهو يدمي منها، بل وقد ينفطر قلبه كَمَدًا، وقد لا يدري أحباؤه بما يَجري...بالتأكيد الكلماتُ قد تقتله يا صاح!
إلى كُلِّ مَن ضاعَتْ أخلاقه في أمواج السَّفهِ الأخلاقيّ كمَنْ يَقولُ: "أصل إللى بيكتم الشتيمة بيعجز بسرعة"، "كل ريس لازم يهزق إللى تحت منه عشان يثبت شخصيته"، وغيرها من المهاترات الوضيعة، يا صَاح، كادت الكلمات تُفقِد الأحباء عزيزًا طيِّبًا، فحذارِ التشدُّق بألفاظٍ يُحاسبك عليها الديَّانُ الواحِد العادل حسابًا عسيرًا، وتَصير في الأرض أمورٌ لا تُحمَدُ عقباها، ولهذا ذَكرَ بوضوحٍ: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ." (مت ٥: ٢٢)، وأنصارُ الأسلوب الوضيع في التعامل والكلام الجارح المُهِين ممن لم يَرُق لهم الكلام، يُمكنُ لهم المرور كِرَامًا بلا تعليق؛ إذ قد يَبدو كلامي غَريبًا في عالمٍ يَهيم في مبادئ العصر الجديدة، وأصبحنا نحن مِن نفحات المَاضي الجميل!
#قُصَاصَاتٌ_هَادِفةٌ

0 Comments